البريكست ومجلس التعاون الخليجي: ما التالي؟


 

أدى الحكم الصادر مؤخراً عن المحكمة العليا في المملكة المتحدة ضد رئيس مجلس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى تجدد النقاشات المتعلقة بمنح المزيد من الوقت من قبل الاتحاد الأوروبي للتفاوض بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد (البريكست)، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي أن منتصف عام 2020 هو آخر تمديد محتمل. وبينما لا تزال معالم وتوقيت وتفاصيل خروج بريطانيا بعيدة عن الوضوح، يمكننا مع ذلك توقع بعض آثار هذا الخروج على دول مجلس التعاون الخليجي.

مع اقتراب الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تتعرض المملكة المتحدة لضغوط متزايدة للبحث عن ترتيبات تجارية بديلة، ويبدو أن مجلس التعاون الخليجي مرشح واضح كبديل تجاري. في الواقع، يحاول الاتحاد الأوروبي من جانبه التفاوض على اتفاقية تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1988. كما أوضحت الباحثة “جين كينينمونت”، فإن المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “سيكون لها تأثير أقل بكثير في التفاوض على أساس ثنائي، لكن سيتوفر لها أيضًا المزيد من المرونة”. على سبيل المثال، يمكن خفض الحواجز التعريفية على السلع غير المنتجة محليا.

بالنسبة للمملكة المتحدة على وجه التحديد، تعد دول مجلس التعاون الخليجي رابع أكبر سوق تصدير خارج الاتحاد الأوروبي. بدورها، تعد المملكة المتحدة ثالث أكبر مستثمر أجنبي في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يتفوق عليها فقط الولايات المتحدة والصين وفق إحصائيات الأمم المتحدة. علاوة على ذلك، تستحوذ دول مجلس التعاون الخليجي على 50.83 مليار دولار من إجمالي التجارة في المملكة المتحدة البالغ 57.19 مليار دولار مع الشرق الأوسط بأكمله. كما أن المملكة المتحدة تستحوذ على ما يقارب من ثلث التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. لذلك، من الواضح أن لندن لديها فرصة لتوسيع وجودها التجاري مع دول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص. ومع ذلك، توقفت المفاوضات بسبب عدم توفر اليقين السياسي في المملكة المتحدة والتفكك المستمر لمجلس التعاون الخليجي. علاوة على ذلك، ومع استمرار المخاوف من “خروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بدون صفقة”، فمن المتوقع زيادة الاستثمارات الخليجية في المملكة المتحدة، خاصة وأن عُملات هذه الدول مرتبطة بالدولار الأمريكي. ومع ذلك، يغلب على هذه الاستثمارات اقتصارها على سوق العقارات فقط.

مع وجود حالة الشك السائدة حول متى وكيف يمكن أن يحدث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا تزال معالم علاقة المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي بعد “البريكست” غير واضحة. الأمل بأن يكون الاكتتاب العام لأرامكو السعودية في مدينة لندن وبالتالي تعزيز العلاقات البريطانية السعودية يبدو أنه قد تلاشى بسبب “البريكست” وحالة الشك السياسي العامة. يُقال إن المملكة العربية السعودية تتطلع الآن إلى إدراجها في طوكيو بدلاً عن لندن. وبحسب ما أشار إليه الباحث “ديفيد ويرنغ” على وجه الخصوص، أنه باعتبار أن الصين ستصبح أكبر مستورد للنفط والغاز بحلول عام 2020، وأن الهند ستكون ثاني أكبر مستورد بحلول عام 2035، قد يكون هناك إعادة تقويم عامة بعيدًا عن أوروبا (على الأقل عندما يتعلق الأمر بتجارة الطاقة)، والاتجاه نحو الدول التي يوجد فيها طلب أكبر ومتزايد على الطاقة.

هناك تعقيد محتمل آخر في هذه العلاقات التجارية لا علاقة له بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وهو المعارضة السياسية المتزايدة لبيع المعدات العسكرية البريطانية للمملكة العربية السعودية التي تقوم بدورها في استخدامها في حرب اليمن. في يونيو 2019، قضت محكمة الاستئناف بالمملكة المتحدة أن مبيعات هذه الأسلحة بالتحديد هي غير قانونية نظرًا لوجود “خطر واضح” من إمكانية استخدام هذه الأسلحة في “انتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي”. ومع ذلك، اعترفت حكومة المملكة المتحدة في سبتمبر بارتكاب أربعة انتهاكات كاملة لقرار المحكمة، وتقوم حاليًا باستئناف الحكم برمّته. وبصورة عامة، تواصل الحكومة البريطانية (وقطاع الدفاع بشكل خاص) التمتع بعلاقات وثيقة مع مؤسسة الدفاع السعودية. مرت الولايات المتحدة هذا العام برفض مماثل لصفقات الأسلحة مع الحكومة السعودية، إلا أن الرئيس ترامب استخدم حق “الفيتو” في ذلك في نهاية المطاف وسانده في ذلك مجلس الشيوخ. وعلى كل حال، وبسبب الانتخابات الأمريكية التي ستجري العام المقبل، فإن احتمال وجود رئيس جديد للبيت الأبيض وحدوث تغيير في الكونغرس قد يؤدي إلى تغيير في السياسة المتعلقة بمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية. في حالة حدوث ذلك، فإن شركاء آخرين مثل المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي سيصبحون أكثر أهمية للمملكة العربية السعودية وربما للحلفاء الآخرين في دول مجلس التعاون الخليجي.

قد تؤدي القضايا المتعلقة بانعدام اتحاد القرار لدى دول مجلس التعاون الخليجي إلى تعقيد السعي لإقامة علاقات تجارية جديدة بين المملكة المتحدة ودول الخليج بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. نتيجة لهذا الأمر، من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع عام في الاتفاقيات الثنائية من جانب الاتحاد الأوروبي وجانب دول مجلس التعاون الخليجي. يمكن لمثل هذا الأمر أن يحفز المزيد من التنافس بين هؤلاء الجيران، لا سيما دول مجلس التعاون الخليجي التي تميل إلى تصدير منتجات مماثلة. في مارس 2019، أعربت المملكة المتحدة عن رغبتها في التفاوض على اتفاقية تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي بعد اكتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكن يعتمد هذا الأمر على وجود مجلس تعاون خليجي فعال يمكن أن يتم التفاوض معه على اعتبار أن ثلاث دول من أعضا المجلس (البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) تحاصر دولة رابعة (قطر). أشار وزير الاقتصاد الإماراتي سلطان المنصوري إلى أن المملكة المتحدة قد تواصلت مع الإمارات بشأن صفقة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنه أردف أن الأمر قد يستغرق سنوات. ومع ذلك، تظل الإمارات خامس أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة خارج أوروبا، والمملكة المتحدة هي أكبر مستثمر أجنبي مباشر في الإمارات العربية المتحدة اليوم.

علاوة على ذلك، مع تصاعد التوترات مع إيران وتصاعد المخاوف بشأن تضاؤل ​​الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، فمن المحتمل أن يكون هناك المزيد من الضغط على المملكة المتحدة وأوروبا للدخول في هذا المجال. إن إحياء “الاتفاق النووي” نيابة عن الاتحاد الأوروبي، الذي عبر قادته عن “التزامهم المستمر” بالقرار الأممي مع إيران الخاص بحظر انتشار السلاح النووي، سيكون مناقضاً لما دعا إليه رئيس وزراء المملكة المتحدة بوريس جونسون حتى الآن: التفاوض على اتفاق جديد عبر الرئيس الأمريكي ترامب. لذلك، قد يكون هناك تعاون أكبر بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في عزل إيران ودعم دول مجلس التعاون الخليجي، على الأقل من حيث الخطاب ومن المرجح أن يتم ذلك أيضاً من خلال استمرار مبيعات الأسلحة والتجارة.

الدكتورة كورتني فرير زميل غير مقيم في منتدى الخليج الدولي وزميل باحث في مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية.

وجهات النظر والآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة رأي منتدى الخليج الدولي.

 

 


Comments

Add Comment