• Home
  • الولايات المتحدة وإيران: 41 عاماً من التأرجح بين الانخراط والمواجهة

الولايات المتحدة وإيران: 41 عاماً من التأرجح بين الانخراط والمواجهة

 

منذ اللحظة الأولى لتأسيس الجمهورية الإسلامية قبل 41 عاماً ، كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران محفوفة بعدم الثقة والعداء والتهديدات والأعمال العدائية في بعض الأحيان. تجاوزت هذه الأعمال العدائية حالات التفاوض والتعاون الضمني ذو المنفعة المتبادلة التي حدثت خلال العقود الأربعة الماضية. منذ عام 1979، لم يحسم المسؤولون الأمريكيون أبسط مسألة تتعلق بالعلاقات الأمريكية الإيرانية: بين إجبار النظام على الاستسلام وربما الانهيار، أو الانخراط مع طهران؟ سيتطلب أي قرار للمضي نحو الخيار الأخير مزيداً من النقاشات حول ما إذا كان يجب التركيز على العمل على اتفاق شامل يؤدي إلى تسوية جميع القضايا العالقة، أو العمل من خلال مجموعة ضيقة من القضايا لبناء الثقة، وتوسيع الاتفاقات بمرور الوقت لتشمل مجالات أخرى. من الواضح أن إدارة ترامب اتبعت استراتيجية “الإجبار على الاستسلام”، التي أضعفت الاقتصاد الإيراني لكنها لم تضطر إيران حتى الآن إلى قبول كافة مطالب الولايات المتحدة. بينما قامت إدارة أوباما بطرح خيار بديل وهو التفاوض حول القيود النووية والذي أسفر عن خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) أو ما يسمى بـ “الاتفاق النووي” لعام 2015، إلا أن هذه الخطة لم تحرز سوى تقدم ضئيل في استخراج تنازلات إيرانية أخرى أو توسيع نطاق العلاقة إلى وراء ذلك الاتفاق المنفرد.

تاريخ العلاقة
تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران إلى الأسوأ في 4 نوفمبر 1979 عندما سيطر الشباب المتشدد الموالي للزعيم الإيراني آية الله روح الله الخميني على السفارة الأمريكية في طهران وأخذ الدبلوماسيين الأمريكيين كرهائن. أحدث هذا الأمر أزمة استمرت لمدة أربعة عشر شهراً ولم تتعافى منها العلاقات بعد. بسبب أزمة الرهائن، وكذلك التزام النظام الإيراني بـ “تصدير الثورة” في جميع أنحاء المنطقة، مالت الولايات المتحدة بشكل كبير نحو نظام صدام حسين في العراق خلال الحرب الإيرانية العراقية بين عامي 1980 و 1988، وقللت من شأن تحالف صدام مع موسكو وعداء حزب البعث العراقي تجاه إسرائيل. انخرطت الولايات المتحدة وإيران في اشتباكات في الخليج خلال تلك الحرب -اشتباكات تم فيها إضعاف القوات البحرية الإيرانية بشكل كبير. عند الحديث عن مظالمهم ضد السياسة الأمريكية، يؤكد القادة الإيرانيون بشكل ثابت على أن الولايات المتحدة لم تتخذ أي إجراء لوقف الاستخدام الواسع للأسلحة الكيمياوية من قبل نظام صدام حسين ضد الإيرانيين وحتى ضد المدنيين الأكراد العراقيين أثناء الحرب الإيرانية العراقية، مما شجع صدام حسين على غزو الكويت في عام 1990.
على الرغم من دعم الولايات المتحدة للعراق ضد إيران، فإن “قضية إيران-كونترا” خلال 1985-1987 أثبتت أن هناك فئة معينة داخل الحكومة الأمريكية ظلت واثقة من أنه حتى النظام الإسلامي الإيراني يمكن أن يتم الإنخراط معه بنجاح. في حين أقر الرئيس رونالد ريغان أن القضية تمثّل، في المقام الأول، مجهوداً لتقديم الأسلحة الأمريكية مقابل المساعدة من قبل إيران في تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين لدى حزب الله في لبنان، كانت هناك مؤشرات على أن الصفقة تمثل محاولة لإشراك عناصر “معتدلة” في إيران لإعادة بناء العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. زاد التفاؤل بشأن احتمالية وجود إستراتيجية لإشراك إيران من 1989 إلى 1991 عندما استجابت إيران إلى نداء إدارة جورج بوش الأب بأن “النوايا الحسنة تولد النوايا الحسنة” خاصةً مع الجهود الناجحة لتحرير آخر الرهائن الأمريكيين في لبنان بحلول نهاية عام 1991. ومع ذلك، فإن تركيز الولايات المتحدة على غزو العراق للكويت وما تلى ذلك، بالإضافة إلى بدء مرحلة جديدة من عملية السلام العربية الإسرائيلية التي عارضتها إيران، أخرجت أي تقارب بين الولايات المتحدة وإيران عن مساره خلال ذلك الوقت.
خلال التسعينيات، أدت الحملة التي قادتها حماس، المنظمة الفلسطينية المدعومة من إيران، إلى وجود قدرة لإيران لشن هجمات داخل إسرائيل نفسها، وساهمت في التحول نحو سياسة أكثر تشدداً بشأن إيران من جانب إدارة كلينتون. عندما جاءت تلك الإدارة إلى السلطة, صاغت استراتيجية “الاحتواء المزدوج” لإضعاف نظام إيران ونظام صدام حسين في وقت واحد، وسعت إلى تنفيذ السياسة من خلال زيادة العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. فرض الرئيس كلينتون حظراً على كامل التجارة الأمريكية الإيرانية في عام 1995. وفي عام 1996 سن الكونغرس قانون العقوبات الإيرانية الليبية، الذي سعى لإضعاف إيران استراتيجياً من خلال شل مستقبلها على المدى الطويل كمصدّر للطاقة. بحلول نهاية إدارة كلينتون، عاد المؤشر مرة أخرى نحو الانخراط بعد انتخابات 1997 التي أسفرت عن انتخاب محمد خاتمي المنتمي للتيار المعتدل رئيساً لإيران. وعاد مجدداً في الولايات المتحدة فكرة “البحث الدائم عن المعتدلين الإيرانيين”، إلا أن المتشددين في إيران، الذين سعوا إلى تقييد خاتمي على نطاق واسع، حالوا دون أي تقارب أو ذوبان في الجليد بين الولايات المتحدة وإيران.
استمرت إمكانية الإنخراط الواسع خلال فترة إدارة جورج دبليو بوش (الإبن) لأن إيران أثبتت فائدتها بل ومساعدتها بعض الشيء في الجهود الأمريكية في “الحرب على الإرهاب” التي نتجت عن هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة. يبدو أن إدارة بوش لم تحاول إشراك المعتدلين الإيرانيين, بدلاً من ذلك أشركت تكتيكياً المتشددين في الحرس الثوري الإسلامي وقوات القدس (الذين سيطروا على السياسة الإيرانية في العراق وأفغانستان) في محاولة لتحقيق الاستقرار في هذين المسرحين للتدخل العسكري الأمريكي. بينما كانت إيران ذات فائدة للولايات المتحدة في الوقوف بجانب حكومة ما بعد طالبان في كابول وحكومة ما بعد صدام في العراق، فإن مخاوف المتشددين الإيرانيين من تطويق الولايات المتحدة دفعت إيران أيضاً إلى دعم الهجمات على القوات الأمريكية، خاصة في العراق. في الوقت نفسه، من خلال دعم الدبلوماسية الأوروبية، سعت إدارة بوش إلى الحد من عامل جديد قد يكون مشؤومًا في العلاقات الأمريكية الإيرانية: تطور البرنامج النووي الإيراني.
على الرغم من أن البرنامج النووي الإيراني أصبح مع مرور الوقت اعتباراً مركزياً أكثر أهمية لكل رئيس أمريكي، فقد اتبعت إدارتا أوباما وترامب استراتيجيات معارضة تماماً لإيران. من الواضح أن كلتا الإدارتين اعتقدتا أنهما يمكنهما كسر “الجمود” مع إيران بطريقة أو بأخرى، وإنهاء التذبذب الأمريكي بين الانخراط المبدئي مع طهران أو مواجهتها. كما يجمع كِلا الرئيسين أنه، على عكس الحكومات الأمريكية السابقة، لم تعترف أي من الإدارتين بأي تمييز بين “المعتدلين” والمتشددين الإيرانيين، وقررت بدلاً من ذلك توجيه السياسة الأمريكية مباشرة نحو الهيكل السياسي لإيران. استخدم كلاهما بشكل كبير سياسة العقوبات الأمريكية الثانوية للضغط على إيران.
ومع ذلك، فإنه على الرغم من أوجه التشابه هذه، فقد وضعت الإدارتان أطروحات مختلفة تمثل السؤال الذي لم يتم حله في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران: الانخراط أم المواجهة؟ استخدمت إدارة أوباما العقوبات للضغط على إيران للتفاوض حول قضية حرجة واحدة: برنامج إيران النووي. لقد سعت إدارة أوباما بشكل أساسي إلى حل لهذه المشكلة المركزية الواحدة وكانت تأمل في توسيع الحوار لاحقاً ليشمل جميع القضايا العالقة بين البلدين. في المقابل، كانت فرضية إدارة ترامب أن سياسة “الضغط القصوى” على إيران التي يتم تطبيقها من خلال عقوبات أمريكية واسعة النطاق ستُضعف إيران بشكل كبير بحيث تستسلم لجميع مطالب الولايات المتحدة، بما في ذلك وعلى وجه الخصوص أن تنهي إيران دعمها لمجموعة واسعة من الفصائل المسلحة النشطة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها. ذكر مسؤولون من إدارة أوباما بأن إستراتيجيتهم لإيران لم يتم اختبارها بشكل كامل قبل تحول السياسة التي قامت بها إدارة ترامب اللاحقة، وأنه كان من الممكن توسيع التعاون الضمني الأمريكي الإيراني ضد تحدي الدولة الإسلامية (داعش) خلال الفترة 2014-2016. بينما أكد مسؤولو إدارة ترامب أن استراتيجيتهم ضد إيران “ناجحة” لأن الاقتصاد الإيراني قد ضعف بشكل كبير. في هذه الأثناء، استأنفت إيران الكثير من الأنشطة النووية التي قلصتها عندما كانت الولايات المتحدة تنفذ خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، ولم تكن هناك أي علامات، حتى الآن، على أن إظهار إيران للقوة في جميع أنحاء المنطقة قد تضاءل. في الإدارات المتعاقبة، قد تستمر سياسة الولايات المتحدة في التأرجح بين الانخراط والمواجهة مع طهران، على الأقل طالما أن الجمهورية الإسلامية لا تزال في السلطة.

الدكتور كينيث كاتزمان، كبير محللي الشرق الأوسط في مكتبة الكونغرس الأمريكية ويكتب هنا بصفته الشخصية.
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء منتدى الخليج الدولي.