اليمن: دولة تم تمزيقها وليس استعادتها


جدد التصعيد الأخير للاقتتال في جنوب اليمن دعوات وتزايد مطالب الجماعات المنادية بانفصال الجنوب اليمني. يأتي ذلك في خضم نقطة حرجة من الحرب، حيث يشير تطور الأحداث في اليمن إلى إمكانية التوصل إلى حل سلمي في الأشهر المقبلة. بالإضافة إلى ذلك، تدل العمليات الأخيرة إلى مواطن الضعف الداخلية الكبيرة للرئيس هادي وحكومته، وتُظهر الفشل العام للتحالف في تحقيق هدفه المعلن لهذه الحرب. يطرح تمكين الجماعات الانفصالية في الجنوب والحوثيين في الشمال أسئلة مهمة فيما يتعلق بالشكل الافتراضي لليمن إذا ومتى تم التوصل إلى حل بين الأطراف الرئيسية في النزاع. في حين أن القرارات المتعلقة بالشكل النهائي لدولة اليمن ينبغي أن تُترك للشعب اليمني، إلا أنه سيكون للقوى الفاعلة الإقليمية والدولية رأي حاسم في هذه القضية بسبب تأثيرها ومصالحها. وسيكون لأي تغيير محتمل في هيكلية الدولة اليمنية تداعيات تتردد صداها ليس فقط على المستوى المحلي وإنما أيضًا على المستويين الإقليمي والدولي. ومع ذلك وبسبب تباعد مصالح الجهات الخارجية الرئيسية بصورة متزايدة، ستظل اليمن مسرحًا لعدم الاستقرار الإقليمي.

في 22 مايو 1990 اندمجت الجمهورية العربية اليمنية (الشمال) وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب) لتصبحا البلد المعترف به الذي نراه اليوم: الجمهورية اليمنية. إلا أنه بعد سيطرة الرئيس علي عبد الله صالح على السلطة التنفيذية سواء في الشمال والجنوب، ظهرت الخلافات بصورة سريعة. تصاعدت وتيرة الخلاف بين الرئيس صالح ونظيره الجنوبي ونائبه علي سالم البيض، حيث رفض الأخير أي اتفاق لا يمنحه وحزبه أقل من نصف السلطة. وعلى الرغم من بعض جهود الوساطة التي بذلها الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال في أبريل 1994، حدث تبادل لإطلاق النار في معسكر تابع للجنوب اليمني بالقرب من صنعاء تحول في نهاية المطاف إلى حرب شاملة. أعلن البيض نفسه رئيسًا للجنوب، لكن قوات صالح الشمالية سيطرت على عدن في يوليو 1994، مما اضطر البيض إلى الفرار خارج البلاد. منذ ذلك الحين، لا يزال اليمن موحداً، إلا أنه لا يمكن تجاهل الحساسيات بين شطري البلد، خاصة تلك التي يشعر بها الجنوبيون تجاه أهل الشمال. ساهمت هذه التوترات مع الشمال في تشكيل مجموعات تعارض استمرار اليمن الموحد. أبرز مثال على هذه الجماعات هو الحراك الجنوبي الذي خاض عدة مواجهات مع القوات الحكومية اليمنية قبل وبعد أحداث الربيع العربي 2011. كانت هذه الجماعات تطالب بالاستقلال عن الشمال، لكن في ذلك الوقت لم تلقَ آذانا صاغية أو دعمًا من المجتمع الدولي.

اليمن ما بعد 2015

سيطر الحوثيون على صنعاء في أواخر عام 2014 وزحفوا عسكرياً باتجاه الجنوب مما زاد من حدة التوترت بين شطري اليمن. ساعد التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن في مارس 2015 على إخراج الحوثيين من معظم المحافظات الجنوبية. وقد جددت هذه الأحداث الداخلية وقدوم الدعم الإقليمي دعوات استقلال الجنوب. على الرغم من أن الهدف الرئيسي للمملكة العربية السعودية في حربها في اليمن هو هزيمة الحوثيين المدعومين من إيران، إلا أن لدولة الإمارات العربية المتحدة (ثاني أكبر مساهم في التحالف) مصالح وطموحات إضافية في الجنوب. إذ عملت دولة الإمارات العربية المتحدة، في هذا الجزء من البلاد، على إنشاء قوات الحزام الأمني ​​ودعمت المجلس الانتقالي الجنوبي من خلال توفير التدريب العسكري بالإضافة إلى الدعم المالي والسياسي. هذه الجماعات حديثة النشأة التي تدعو باستمرار إلى استقلال الجنوب عن الشمال أصبحت مهمة، وخاضت معارك عسكرية بشكل متقطع ضد قوات حكومة هادي. إلا أنه في شهر يوليو الماضي قامت الإمارات العربية المتحدة بخفض مستوى تواجدها العسكري في اليمن، لكنها حافظت على دعمها لوكلاءها في الجنوب لتحقيق مصالح الدولة الخليجية في اليمن.

في 6 أغسطس 2019، اندلعت اشتباكات في منطقة كريتر بعدن بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات حكومة هادي أثناء تشييع جنازة منير اليافعي (أبو اليمامة)، أحد قادة الحزام الأمني ​​الذي قُتل بصاروخ أطلقه الحوثيون بتاريخ ​​1 أغسطس. في اليوم السابع من نفس الشهر، قام هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي المقرب من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، ببث بيان يدعو إلى الحشد الجماهيري للجنوب والزحف إلى قصر المعاشيق الرئاسي في عدن و” طرد الخونة المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين.” على الرغم من أن المجلس الانتقالي الجنوبي سيطر على جزء كبير من عدن، إلا أن الدعوة لم تحشد ما يكفي من سكان الجنوب للثورة ضد حكومة هادي. ومع ذلك فإن البيان نتج عنه اشتباكات عسكرية مستمرة أسفرت عن مقتل وجرح العشرات. تمكنت القوات التي تدعمها الإمارات من السيطرة على معظم القواعد العسكرية لحكومة هادي في خور مكسر بعدن. تمكنت قوات المجلس الانتقالي أيضًا من محاصرة القصر الرئاسي والسيطرة عليه، وتولت قيادة المدينة رمزيًأ.

ومع سيطرة المجلس الانتقالي على مدينة عدن وإعلان انتصارهم، قررت المملكة العربية السعودية الرد بشكل أكثر وضوحًا. أصدر التحالف الذي تقوده السعودية بيانًا بتاريخ 10 أغسطس يطلب من جميع الأطراف المعنية بالأحداث في الجنوب الموافقة على وقف إطلاق النار. طالب التحالف السعودي أيضًا بأن تقوم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الحزام الأمني ​​بالانسحاب فورًا من المواقع التي استولوا عليها خلال الأيام القليلة الماضية. كما دعت السعودية الأطراف إلى قمة عاجلة في المملكة. شكك المجلس الانتقالي في جدية مطالب السعودية بالانسحاب، خاصةً أنها استولت على مواقع عسكرية مهمة في عدن وبالتالي لم تقوم بالانسحاب الفوري. لذلك ومن أجل توضيح موقفها الصارم، شنت السعودية بضع غارات جوية على قوات المجلس الانتقالي، الأمر الذي دفع عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي إلى إبلاغ التحالف بقبوله بالانسحاب.

منذ عقود من الزمن يتم التطرق للقضية الحساسة الخاصة باستقلال جنوب اليمن، ويبدو أن الدعوات إلى انفصال الجنوب أصبح لها صدىً أعلى. ومع ذلك، لا تمثل هذه الدعوات بالضرورة جميع سكان جنوب اليمن كما يتضح من فشل بن بريك في تحفيز الدعم الشعبي الكافي للانخراط في تمرد واسع النطاق. يعارض العديد من الجنوبيين نفوذ الإمارات العربية المتحدة والقوات الجنوبية المدعومة منها. في حين تؤكد المنظمات الدولية على فكرة تقرير المصير من خلال التوصل إلى اتفاق بين اليمنيين في الجنوب والشمال، إلا أن أي تغيير في هيكل الدولة اليمنية لن يرى النور دون دعم ومباركة إقليمية ودولية. تدعم الإمارات بصورة فاعلة المجموعات التي تطالب بالاستقلال، مما يمنحها إمكانيات جغرافية استراتيجية أعلى في حال استقلال الجنوب اليمني. لا يبدو أن المملكة العربية السعودية متحمسة لفكرة الانفصال في اليمن، لكنها لم تتحرك لدعم حكومة هادي إلا في آخر اللحظات. يبدو أن السعودية، قائدة التحالف العربي، تعاني من ضياع استراتيجي، حيث تجد المملكة نفسها تتعامل مع واقع جديد يتشكّل من قبل حليفها في التحالف: دولة الإمارات العربية المتحدة. لا يبدو أن للمملكة العربية السعودية رؤية واضحة لقضية جنوب اليمن، ولكن حتى كتابة هذه السطور تستمر المحاولات لإثبات أولويتها على القرارات الحاسمة المتعلقة بجارتها على الحد الجنوبي. وقد تجلى ذلك مؤخرًا من خلال دعوة الأحزاب اليمنية التي تقاتل في الجنوب لحضور اجتماع في المملكة، ودعوة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد لإظهار الدعم والتوافق مع الموقف السعودي. على الرغم من الصورة العامة المصطنعة التي تشير إلى التواءم بين القيادتين السعودية والإماراتية، إلا أن الأيام الأخيرة أظهرت أن هناك خلافات بين الدولتين فيما يتعلق بمشكلة جنوب اليمن.

علاوة على ذلك، فإن موقف الولايات المتحدة مهم جداً لقضية استقلال الجنوب اليمني. حتى الآن لا يبدو أن واشنطن تدعم الانفصال. ففي تاريخ 8 أغسطس، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا يدعو جميع الأطراف إلى “الامتناع عن التصعيد وإراقة المزيد من الدماء”، وحثّت على إجراء حوار من شأنه “تحقيق يمن مستقر وموحد ومزدهر”.

هناك العديد من القضايا التي تحيط بفكرة استقلال الجنوب. فمدينة عدن التي هي معقل المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني، لا تمثل بالضرورة كامل الجنوب اليمني. يضم الجنوب قبل التوحيد محافظات مهمة أخرى مثل حضرموت والمهرة ولحج حيث لا يوجد نفوذ قوي للمجلس الانتقالي في تلك المحافظات. فهناك العديد من شيوخ القبائل والشخصيات المؤثرة في هذه المناطق قد يقبلون بفكرة الاستقلال، إلا أنهم يعارضون تحركات “الهيمنة” التي تقودها جماعات الوكالة التابعة للإمارات. كما أن حدود دولة الجنوب الناشئة هي قضية شائكة ومعقدة. حتى وإن تم حل هذه المخاوف، فإنه من المهم الإشارة إلى أنه في حالة الاستقلال، فمن المحتمل أن تنشأ نزاعات في الجنوب بين الكيانات الجنوبية المختلفة بسبب اختلاف وجهات نظرها حول كيفية إدارة “جنوب اليمن” الافتراضي، لا سيما فيما يتعلق بدور النفوذ الخارجي. قد يكون لظهور مثل هذه الصراعات آثار سلبية على المنطقة بأكملها بالنظر إلى موقع جنوب اليمن المطل على مضيق باب المندب ذي الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية.

لقد أثبت الرئيس هادي وحكومته أنهم غير قادرين على السيطرة على أجزاء مهمة من اليمن. بالنظر إلى هذا الواقع الجديد، فإن حكومة هادي ليس لها مستقبل في اليمن، سواء في الشمال أو الجنوب. الأحداث الأخيرة في الجنوب هي مجرد دليل إضافي على أن هادي وحكومته ليس لديهم دعم يمني شعبي. المملكة العربية السعودية هي الوحيدة التي تحافظ على هادي القابع في الرياض كرئيس للحكومة المعترف بها دوليًا. عدم وجود الدعم المحلي لهادي يمثل تحديًا آخر يتعين على المملكة العربية السعودية معالجته عاجلاً أم آجلاً. مع تزايد احتمالية حدوث انقسامات في اليمن، فإن التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات الذي يأخذ من “إستعادة شرعية الحكومة” كهدف علني له لم يفعل سوى تعزيز موقف الحوثيين في الشمال والانفصاليين في الجنوب. بين استمرار وحدة اليمن وانفصال الجنوب لا تزال هناك خيارات مطروحة بما فيها النظام الإتحادي الفيدرالي أو الكونفيدرالي قد تجد بعض القبول بين اليمنيين واللاعبين الدوليين. بغض النظر عن ذلك، فإن أي اتفاق سلام يحل الصراع الحالي سيغير شكل اليمن ونظام الحكم الحالي المعروف منذ عام 1990.


Comments

Add Comment