تقييم مساعي الوساطة الكويتية في الأزمة الخليجية


قبل تأجيل لقاء أمير الكويت مع الرئيس الأمريكي ترامب في البيت الأبيض الذي كان مزمع انعقاده في 12 سبتمبر 2019، كان هناك جو من التفاؤل الحذر بأن الأمير الدبلوماسي المخضرم سوف يستغل هذه المناسبة للإعلان عن انفراجة في الحصار المفروض من قبل أربع دول على قطر منذ 27 شهرًا. بعثت أسابيع من التواصل الدبلوماسي الهادئ وتبادل الرسائل الآمال بين المسؤولين الكويتيين أن الشيخ صباح الأحمد الصباح توسط لإحداث تقارب بين المملكة العربية السعودية وقطر. حقيقة أن الأمير كان في البيت الأبيض في شهر سبتمبر للمرة الثالثة على التوالي قد سلطت الضوء على أهميته بالنسبة للبيت الأبيض كوسيط متمرس في الأزمة التي أصبحت مستعصية على ما يبدو. وفي الوقت ذاته، فإن هجمات 14 سبتمبر على المنشآت النفطية السعودية في بقيق وخريص جعلت من المرجح أن يتم إعادة جدولة اجتماع الأمير مع الرئيس ترامب في وقت أقرب، حيث ربما أن يتم ذلك خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تستمر حتى 30 سبتمبر.

وصل الأمير صباح إلى عامه التسعين في يونيو الماضي ويملك ستة عقود من الخبرة في الشؤون الإقليمية التي بدأت عند بلوغه سن الأربعين عندما تم تعيينه كوزير للخارجية الكويتية بين عامي 1963 و 2003. وخلال تلك الفترة، اكتسب الشيخ صباح صيتاً في الانخراط في الوساطة الدبلوماسية التي استمرت منذ أصبح أميرًا في عام 2006. وبصفته أكبر قادة دول مجلس التعاون الخليجي المكون من ست دول بعد وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله في يناير 2015، تولى الأمير صباح دور رجل الدولة الأكبر سناً في الوقت الذي كان صنع القرار في عواصم خليجية أخرى ينتقل إلى أيادي جيل من القادة الشباب أكثر حزماً. عند بدء الحصار على قطر دون سابق إنذار من قبل كل من المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر في يونيو 2017، قام الأمير صباح بجولات مكوكية بين العواصم لضمان عدم تصاعد الأزمة، وفي سبتمبر من ذلك العام ذكر في مؤتمر صحفي خلال أول لقاء له بالبيت الأبيض مع الرئيس ترامب “المهم هو أننا أوقفنا أي عمل عسكري”. وقد تم اختيار كلمات الأمير بعناية لإرسال إشارة واضحة إلى جميع الأطراف مفادها أن التصعيد غير مقبول.

لا يعني تأجيل اجتماع البيت الأبيض نهاية محاولات الوساطة الكويتية لأنها مستمرة عبر قنوات دبلوماسية متعددة لفترة طويلة. إلى حين مغادرة الأمير صباح إلى الولايات المتحدة بتاريخ 2 سبتمبر، أمضى المسؤولون الكويتيون الوقت  في تلقي وبعث رسائل مكتوبة ونقلها من كبار ممثلي الحكومتين السعودية والقطرية، وأعربوا عن تفاؤل حذر بأن التوصل إلى اتفاق لتهدئة التوتر قد يكون ممكناً. أضافت تعليقات سفير الولايات المتحدة لدى الكويت لورانس سيلفرمان التصور المتنامي بأن اجتماع ترامب كان من المقرر أن يركز على حل الصدع في الخليج، الأمر الذي أوضح المسؤولون الأمريكيون أنهم يريدون إنهاءه. فقد ذكر وزير الدفاع الجديد مارك إسبير بتاريخ 6 سبتمبر قبل يومين من تأجيل اجتماع الأمير في البيت الأبيض بصراحة أن “وجهة نظرنا بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي هي أنهم بحاجة إلى حل هذا الأمر بسرعة. لقد استمر لفترة طويلة. لأن التحدي الأكبر بالنسبة للمنطقة هو إيران.”[1]

أي ذوبان في جليد العلاقات داخل الخليج من المرجح أن يشمل المملكة العربية السعودية، وليس أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة. يبدو أن التغييرات الأخيرة في تركيبة مستشاري ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الديوان الملكي في الرياض قد استبعدت بعض الأصوات “المناهضة لقطر” الأكثر تشدداً مثل تركي آل الشيخ وسعود القحطاني.[2] بشكل منفصل، أظهرت التطورات في اليمن الصدع بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشأن الترتيبات السياسية المستقبلية في البلاد. قد تلقي أو لا تلقي هذه الانقسامات بظلالها على الدول الأربعة التي شنّت الحصار على قطر في عام 2017، لكنها تسلط الضوء اختلاف الرياض وأبو ظبي حول الجوانب الرئيسية للرؤى الجيوسياسية الإقليمية المبنية على أهداف وغايات سياسية مختلفة. في حين أن العلاقة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومحمد بن زايد من أبو ظبي لا تزال وثيقة، إلا أن هناك تنسيق أقل بكثير في صنع القرار السعودي والإماراتي على المستويين المؤسسي والبيروقراطي.

هناك طيف واسع يمكن أن يتم عبره التوصل لاتفاق لتهدئة التوتر بين المملكة العربية السعودية وقطر يبدأ من التطبيع الكامل للعلاقات السياسية إلى إحداث تدابير عملية تؤدي إلى رفع الحصار والسماح باستئناف حركة الناس والتجارة. من المحتمل أن الإحجام عن الإقرار علنًا بفشل الحصار قد يعني أن أي مصالحة ستكون تدريجية وستأخذ شكل تدابير متعاقبة يتم تنفيذها بهدوء للحفاظ على ماء الوجه وتقليل خطر الإحراج السياسي- خاصة وأن الحصار على قطر أصبح جزءًا من مجموعة واسعة من أخطاء السياسة الخارجية المرتبطة بمحمد بن سلمان منذ بروزه في المملكة العربية السعودية في عام 2015. وقد ذكر صهيب جمال ناصر، وهو محلل مستقل مقيم في الدوحة، أن النقاط الأولية للمصالحة قد تكون حول تصاريح الحج/العمرة واللقاءات العائلية والسماح للطيران القطري بالتحليق في الأجواء السعودية.[3] يمكن أن تعالج مثل هذه الأفعال بعض الجوانب الاجتماعية والتجارية الأكثر إثارة للجدل في الحصار وتليها في وقت لاحق تدابير أكثر وضوحًا مثل إعادة فتح المعبر الحدودي البري أمام التجارة.

أحد أسباب وجود فرصة نجاح أكبر للوساطة الكويتية من خطة إدارة ترامب التي تم إجهاضها في وقت مبكر من العام 2018 من خلال عقد “قمة مصالحة” في كامب ديفيد هو أن المبادرة الكويتية أصيلة ونابعة من ثقافة القيادة السياسية في في الخليج. إذا كان من الممكن إيجاد طريقة لمعالجة نقاط الاختلاف بين المملكة العربية السعودية وقطر، فمن المحتمل أن تتبع البحرين ومصر القيادة السعودية مما ينهي حصار الدول الأربعة. في حالة حدوث ذلك، فإنه دولة الإمارات العربية المتحدة ستكون وحيدة كممتنعة وبالتالي يكون ذلك متسقًا مع الأدلة التي تشير إلى أن أبو ظبي وليست الرياض هي التي بدأت الحملة ضد قطر. في حين أن حل الخلاف الخليجي لن يكون شاملاً أو غير مكتمل بدون دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أنه سيوفر الأساس لمحاولة إعادة بناء علاقات الثقة المتبادلة التي كانت متوترة إلى النقطة التي أفضت إلى انلاع الأزمة في عام 2017. وبالتالي قد تركز مرحلة لاحقة على القضايا ذات الأهمية على المستوى الإقليمي التي نتجت عن الحصار مثل استخدام وسوء استخدام وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في إثارة ونشر حملات التشهير والإساءة.

لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به حتى قبل اتخاذ مثل هذه الخطوات المتواضعة لوقف التصعيد، وقد أكدت البيانات الإعلامية الصادرة عن المملكة العربية السعودية ومصر في الأيام الأخيرة دعمها للحصار المفروض على قطر. قد تكون مثل هذه التصريحات موقفًا علنيًا للانحراف عن إمكانية نجاح المحادثات، أو قد تشير إلى أن الوقت لم يحن بعد لتحقيق انفراج في الأزمة من خلال الوساطة. إحدى القضايا التي لا بد من معالجتها على وجه الاستعجال هي موقع القمة السنوية القادمة لمجلس التعاون الخليجي المقرر عقدها في أبو ظبي في ديسمبر 2019. كانت هناك تكهنات ظهرت مؤخراً بأنه قد يتم نقل القمة إلى المقر الرئيسي لمجلس التعاون الخليجي في الرياض مثل قمة 2018 التي كانت ترأسها عُمان. واصل المسؤولون القطريون السفر إلى اجتماعات لجان مجلس التعاون الخليجي، وكان آخرها لرؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن، التي تمت في المملكة العربية السعودية، مما يشير إلى أنه على الرغم من جميع الصعوبات الإقليمية، لا يزال مجلس التعاون الخليجي على الأقل يؤدي بعض الوظائف. كان من حسن حظ دول مجلس التعاون الخليجي أنه خلال العامين الأولين من الأزمة عقدت قمم مجلس التعاون التي تتم بالتناوب في الكويت (2017-2018) وسلطنة عمان (2018-2019)، مما سمح لعقد عديد من الاجتماعات في أماكن محايدة “آمنة” في مدينة الكويت ومسقط. إن كيفية تطور الأحداث في الفترة التي تسبق قمة ديسمبر ستحدد المرحلة المقبلة من الأزمة الخليجية التي أصبحت بالفعل سمة شبه دائمة في المشهد الإقليمي.

 

كريستيان كوتس أولركسون، زميل دراسات الشرق الأوسط في معهد بارك للسياسات العامة التابع لجامعة رايس.

 

وجهات النظر والآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة رأي منتدى الخليج الدولي.

المراجع

[1] Dominic Dudley, “U.S. Defense Secretary Calls On Gulf Allies To Heal Their Rift And Focus On Iran,” Forbes, September 6, 2019

[2] Suhaib Jamal Nasir, Twitter Post, September 2, 2019 10:35 AM https://twitter.com/suhaibnasir/status/1168533028605431808

[3] Suhaib Jamal Nasir, Twitter Post, March 8, 2019 2:28 PMhttps://twitter.com/suhaibnasir/status/1104102924366565376

 


Comments

Add Comment