كان يجب علينا توقع ذلك


كان ينبغي علينا لنا أن نعي طريقة التفكيرالتي وضعتنا فيه أفعالنا ضد إيران حيث كانت العلامات واضحة للعيان كالشمس. لسوء الحظ، فإن للأمريكيين ذاكرة قصيرة للغاية ويقف أمامهم انعزالهم الجغرافي، بالإضافة إلى سياسة خارجية تُمليها السياسة الداخلية بالدرجة الأولى. إن حقيقة أن كل إدارة أمريكية جديدة تقوم بتغيير المئات من المناصب الرئيسية في فريق الأمن القومي تزيد من حدة المشكلة. لدى الإيرانيون، الذين ينتمون لأمة عمرها حوالي 3000 عام، ذكريات طويلة للغاية، وهم يعيشون في منطقة صعبة للغاية لا يستطيعون فيها تحمل العزلة.

في منتصف فترة إدارة بوش الابن، الرئيس الأمريكي الثالث والأربعين، أضاف النظام الإيراني خطاب “محور الشر” خلال الغزو الأمريكي لجيرانهم في أفغانستان والعراق، وبصورة منطقية خلص النظام إلى أن إيران كانت الهدف الأمريكي التالي. كانت كل إدارة أمريكية منذ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر تعتبر النظام في طهران تهديدًا خطيرًا، إن لم يكن حيويًا، للمصالح الأمريكية في المنطقة. الرئيس الأمريكي بوش الابن رفع من مستوى العداوة تجاه الايرانيين إلى مستويات أيديولوجية وحتى شبه دينية لم يسبق لها مثيل. كما أن طهران تتفهم اليد الإسرائيلية التي دفعت أمريكا إلى تخليص إسرائيل من أقوى منافسيها الإقليميين عبر غزو العراق. مع تحييد العراق، قلقت طهران من أن المخاوف الإسرائيلية ستدفع أمريكا إلى توجيه البوصلة صوب إيران. عندئذ نظرت طهران إلى ما حولها ورأت ما يزيد عن 200.000 من القوات الأمريكية المتمركزة في شرق وغرب وجنوب حدودها.

لذلك، بدأ الإيرانيون في وضع استراتيجية لردع الولايات المتحدة. كانوا يعلمون أنهم لا يستطيعون تهديد السيطرة الأمريكية بشكل فعال على الممرات البحرية التي تغذي إيران، ولا يستطيعون منع الولايات المتحدة من قصف البنية التحتية الحيوية. ومع ذلك، فقد رأوا أن للولايات المتحدة “كاحل أخيل” في المنطقة وهوالاعتماد الكبير لاقتصاد العالم على التدفق الحر للنفط والغاز من الخليج. فلننسى إمكانية إغلاق مضيق هرمز، قد تمتلك إيران القدرة على إغراق بضع سفن وبالتالي عرقلة حركة الملاحة، لكن البحرية الأمريكية لديها القدرة على ردع التهديد الإيراني عن الممر الضيق. ومع ذلك، فإن مرافق تصدير النفط والغاز على الجانب العربي من الخليج توفر بيئة لا يمكن الدفاع عنها إلى حد كبير.

خلال السنوات القليلة الماضية، شكل الجيش الإيراني، سواء من القوات النظامية أو قوات الحرس الثوري قوة عسكرية لديها القدرة على تدمير جزء كبير من منشآت تصدير النفط والغاز، وحتى منشآت الإنتاج التي تقف وراءها. في البداية، اشترت إيران أسطولًا كبيرًا من عدة مئات من القوارب السريعة الصغيرة التي يمكن أن تحمل قوات كوماندوز عبر الخليج الضيق. اشترت إيران أيضًا عددًا كبيرًا من الصواريخ الصينية المضادة للسفن غير المعقدة نسبيًا، SY-1 و HY-2. هذه الصواريخ، على الرغم من أنها ليست الأحدث والأفضل ضد السفن الحربية السطحية الحديثة، إلا أنها تحمل رؤوسًا حربية كبيرة ويمكن أن تلحق أضرارًا كارثية بمنصات حفر النفط والغاز البحرية ومحطات التحميل والناقلات.

في وقت ما من عام 2006، أطلعت إيران دول مجلس التعاون الخليجي على قدراتها وأبلغت الدول العربية أن تخبر الأمريكيين أنه إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، فسترد طهران بإخراج عشرين في المائة من طاقة تصدير النفط والغاز في العالم. الردع يعتمد على عدوك المحتمل الذي يحدد أن ضحيته يمكن أن تلحق أضرارًا غير مقبولة بمصالحه. أوضحت إيران لدول مجلس التعاون الخليجي أن الولايات المتحدة قد تكون قادرة على حماية أصولها في المنطقة، ولكن لديها قدرة محدودة للغاية لحماية مرافق الإنتاج والتصدير المترامية الأطراف الغنية بالنفط. بصورة مماثلة للأسلحة النووية، سيكون هذا سلاحًا مخصصًا لحالة متطرفة. أخذوا ورقة من شارل ديغول تبرر القوة النووية الفرنسية “القوة الضاربة – فورس دو فراب”. وكان يكرر ديغول أنه “لم تكن فرنسا بحاجة إلى تدمير تهديد وجودي، وإنما فقط أن تكون قادرة على تمزيق ذراع أو ساق ذلك التهديد.”

لا يبدو أن الولايات المتحدة (ربما للأسباب المذكورة أعلاه في هذه المقالة) تأخذ هذا الأمر على محمل الجد. لم يصل الردع الإيراني إلى الصفحات الأولى في الصحف الأمريكية، ولم يتم مناقشته بشكل مستفيض من قبل مؤسسات الأبحاث الأمريكية. بدلاً من ذلك، تركزت معظم المناقشات المتطلعة على تقييم القدرة الإيرانية على مهاجمة الأصول البحرية والجوية الأمريكية في الخليج أو القوات الأمريكية العاملة في العراق وأفغانستان.

منذ منتصف التسعينيات، قامت إيران باستمرار بتحديث وتحسين قوتها. كما هو الحال مع جميع الجيوش المتطورة الأخرى، شكّل الإيرانيون قواتهم وقاموا بتكوينها للتعامل مع قدرات العدو المفترضة المتطورة. إن محاولة إيران الفاشلة لتطوير أسلحة نووية تناسب هذا النموذج.

أما إدارة ترامب فهي ترى السياسة الخارجية أداة لإعادة انتخاب الرئيس وربط السياسة الخارجية مرة أخرى بالعوامل المحلية. كان محو إرث أوباما أساس حملة عام 2016 وإلغاء الاتفاقية النووية الإيرانية (JCPOA)، التي برزت بشكل واضح. ومع ذلك، فإن الانسحاب من الاتفاق كان يتطلب أن يحقق انتصاراً. ربما كان من الممكن أن يكون هناك تنازل أو تنازلان من إيران كافيان لتحقيق ذلك الغرض، إلا أن أياً من شركائنا في الاتفاقية لم يقم بما قام به الرئيس ترمب. كما أن الإيرانيين رفضوا أي تغيير. لقد أظهر المحافظون الصقور الذين يحيطون بالرئيس أنهم يشاركون الأمريكيين في ما يتعلق بالذاكرة القصيرة وروّجوا لسياسة الرئيس “سياسة الضغط القصوى” من خلال العقوبات الاقتصادية لإجبار طهران على تلبية المطالب الأمريكية. لسوء الحظ، نظر النظام الإيراني إلى المطالب المقدمة على أنها استسلام جماعي.

لقد نجحت سياسة “الضغط الأقصى” بجعل الاقتصاد الإيراني  يجثو على ركبتيه، حيث منعت الولايات المتحدة كل منفذ تقريبا لصادرات النفط الإيرانية، مما قلل من العائدات إلى جزء صغير مما هو ضروري للحفاظ على الاقتصاد الوطني. وعلى الرغم من ذلك، فشلت إدارة ترامب في إدراك أننا ربما نكون قد وصلنا إلى الحالة القصوى التي خلقت إيران من أجلها رادعها غير النووي. قررت طهران أن الوضع يتطلب عرضا لقدراتها. للتأكيد على هذه النقطة، أظهر الهجوم على المنشآت النفطية في بقيق أيضًا القدرات الإيرانية المحسنة بشكل كبير منذ التسعينيات. أصاب الهجوم متعدد الأوجه منطقة حساسة في المملكة العربية السعودية  حيث لم يتم اكتشاف الهجوم من لحظة الإطلاق إلى وصوله إلى الهدف.

ومن أجل إنصاف الرئيس ترمب، لم يكن يريد اللجوء إلى حرب فعلية. لقد تلاشى الواقع البارد المتمثل في قدرة إيران على إلحاق أضرار غير مسبوقة بالاقتصاد العالمي ولفرص إعادة انتخابه. فقد قام الرئيس ترمب بطرد بولتون، لكن يبدو أن بومبيو، وزير خارجية ترامب الذي يتجانس معه بشكل أكبر، لديه نفس الميول الحربية. لقد وصلنا الآن إلى طريق مسدود. يبدو ترامب ضعيفًا وضائعًا فيما يجب عمله فيما بعد. يستخدم بومبيو خطابًا خطيرًا وبدأت حتى الآن حملة غير مجدية لإنشاء تحالف دولي ضد إيران، إلا أن العقوبات مستمرة. ليس لدى طهران حتى الآن أي مؤشر على أن الأمريكيين تعلموا الدرس وقد يشعرون بأنهم مجبرون على تعليمنا درسًا آخر. يبدو أن الدبلوماسية مقيدة بجهد عديم الجدوى لإقناع ترامب وروحاني بلقاء فيما بينهما على أمل أن ينتج عن ذلك “لحظة كيم جونغ أون” التي ستتيح للجانبين حفظ ماء الوجه والتراجع. حتى كتابة هذه السطور، لا يبدو أن هذا الأمر من ضمن الخيارات.

لسوء الحظ، فإن بقية العالم يبدو عاجزاً أيضًا وقد أصبح خالي الوفاض. في هذا التوقيت الذي يبدو فيه أن اقتصاد العالم يحتاج إلى جهد دولي هائل لتجنب الكوارث، يكشف هذا الأمر مدى انهيار النظام العالمي. إذا كان هناك وقت مناسب لتدخل دولي كبير، فقد حان هذا الوقت. من المسلم به أن الدبلوماسية المتعددة الأطراف ليست الأمر المحبب للرئيس الذي يفضل التفاعلات الفردية مع القادة الأجانب. للأسف، قامت كل من الولايات المتحدة وإيران بإثقال كاهل فرصة اجتماع ترامب وروحاني بشروط تجعله مستحيلاً. إذا كان هناك وقت لاستئناف دور الدول 5+1، فقد حان ذلك.

السفير باتريك ثيروس: مستشار استراتيجي لمنتدى الخليج الدولي.

وجهات النظر والآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة رأي منتدى الخليج الدولي.


Comments

Add Comment